عن حارثة بن وهْبٍ رضي الله عنه قَالَ: سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ:
((ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيف مُتَضَعَّف، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ))
( مُتَّفَقٌ عَلَيهِ)
شرح الحديث
((ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره)) يعني هذه من علامات أهل الجنة
(كل ضعيف) أي: نفسه ضعيفة لتواضعه، وضعف حاله في الدنيا
( متَضَعَّف)
يعني: أن الناس يستضعفونه، يرونه ضعيفاً، وضبطه بعضهم: مُتَضَعِّفٍ، أي: أنه يظهر الضعف والتواضع للناس
اي أن الإنسان يكون ضعيفاً متضعفاً، أي: لا يهتم بمنصبه أو جاهه، أو يسعى إلى علو المنازل في الدنيا، ولكنه ضعيف في نفسه متضعف يرى أن الأهم أن يكون عند الله ذا مكانة كبيرة عالية
(لو أقسم على الله لأبره)
يعني: لو أنه حلف على شيء من الأشياء يميناً طمعاً في كرم الله بإبراره لأبره الله
فلو حلف على شيء ليسر الله له أمره، حتى يحقق له ما حلف عليه، وهذا كثيراً ما يقع؛
أن يحلف الإنسان على شيء ثقة بالله عز وجل، ورجاء لثوابه فيبر الله قسمه،
وأما الحالف على الله تعالياً وتحجراً لرحمته، فإن هذا يخذل
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن من عباد الله)) ((من)) هنا للتبعيض، ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) وذلك فيمن أقسم على الله ثقة به، ورجاء لما عند الله عز وجل.
كما قال أنس بن النضر رضي الله عنه لما كَسرت الرُّبَيِّعُ -وهي أخته- سنَّ تلك المرأة، فأرادوا القصاص،
فقال النبي ﷺ: كتاب الله القصاص، فقال أنس بن النضر رضي الله عنه: والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع،
فرضي أولئك بأرش الجناية، بالمال، فقال النبي ﷺ: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)
و كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في وقعة التتر المعروفة، كان يقول: والله إنكم منصورون، فكانوا يقولون: قل: إن شاء الله، فكان يقول: أقولها تحقيقاً لا تعليقا، يعني: هو واثق جدًّا من النصر ويقسم عليه
وهذا يدل على أن العبرة ليست بالهيئة، إنما العبرة بما في القلب من الإيمان، ومحبة الله ، ومراقبته، وملاحظة حدوده، فالعبرة بهذا، وليست العبرة بمظاهر الناس، وأشكالهم وصورهم
( ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعَّف، لو أقسم على الله لأبره)
و هذا في الغالب، وإلا فيوجد من الضعفاء مَن هم من أهل النار؛ ولهذا قيل: إن شرار الناس فقراء اليهود، لا مال جمعوا، ولا دين أبقوا
(ألا أخبركم بأهل النار؟)
يعني: غالباً، هذه غالب صفتهم
( كل عُتلٍّ) ، والعتل: هو الغليظ الجافي، وبعضهم يقول: العتل هو ضخم البدن، كبير البطن، عظيم الرقبة أو العنق،
والمشهور في معناه: أن العتل هو الغليظ الجافي
(جَوَّاظٍ)
وهو الجَموع المَنوع، يجمع المال ويمنعه، فلا يُخرج حق الله منه، وبعضهم يقول:
إن الجواظ هو الأكول الشروب، عظيم البطن، وقيل: الضخم المختال في مشيته
وقيل هو الجزوع الذي لا يصبر على شيء ، دائماًُ في أنين وحزن وهمّ وغمّ، معترضاً على القضاء والقدر،
لا يخضع له، ولا يرضى بالله رباً.
والمشهور أنه : الجموع المنوع
والغلظة، والقسوة، والجفاء ليست من صفات عباد الله المتقين، وإنما هي من صفات أهل النار
وأما المستكبر فهو الذي جمع بين وصفين:
غمط الناس، وبطر الحق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((الكبر بطر الحق، وغمط الناس))
وبطر الحق: يعني رده،
وغمط الناس: يعني احتفارهم، فهو في نفسه عال على الحق، وعال على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق
فهذه علامات أهل النار
وفي الحديثِ : بيان أن أكثر أهل الجنة الضعفاء، وأكثر أهل النار المتكبرون
شرح_رياض_الصالحين
ابن عثيمين رحمه الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق